العنوان: مرثية شارع الساعة
العنوان الفرعي: حكاية صورة وحيدة تقود إلى مواجهة الفناء ومعنى الأثر
ملخص الكتاب:
هذه الرواية تتخذ من صورة قديمة سقطت صدفة من بين الأوراق بدايةً لرحلة روحية قاسية، يستعيد فيها الراوي زمناً ظنه انقضى، ليكتشف أنه لم يغادره حقاً، بل ظل قابعاً في أعماقه ينتظر لحظة الانهيار الأخيرة. من صورة التقطت أمام مدرسة لغة في شارع غازتاون في فانكوفر، حيث كانت تقف ساعة بخارية وسيارة عتيقة ومعلمة غامضة ورجل فقير يغلق ويفتح الأبواب، تنفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها، ويبدأ زمن مواز يستدير إلى الوراء لسنوات من الضحك المؤجل والفهم المتأخر .
الرواية، على امتداد فصلين طويلين، ليست سرداً خطياً لأحداث خارجية بقدر ما هي تشريح بطيء لزمن داخلي، زمن يضيق شيئاً فشيئاً مع تشخيص السرطان في جسد الراوي، ذلك المرض الذي يأتي في النص بوصفه كلمة قصيرة تنهي كل جدال بين الإنسان ووهم الخلود، وتحوّل الأيام من نهر جار إلى حصى تُعدّ عدّاً . تنسج الحكاية خيوطها من ثلاثة محاور متداخلة: مكان آيل إلى الاختفاء، أشخاص يلمع حضورهم ثم يتلاشى بصمت، ووعي يستيقظ متأخراً على حقيقة أن الذاكرة لا تسترجع الماضي بل تجرّه معها إلى محكمة لا مهرب منها.
المكان نفسه يؤدي دوراً رئيسياً: شارع غازتاون الذي يبدو عتيقاً وإن كان جديداً، ومدرسة اللغة التي أسماها الراوي ساذجاً "شارع الساعة" حيث كان يسرق من جدول محاضراته دقائق يدخن فيها ظناً منه أنه يمتلك الوقت، بينما كانت الساعة البخارية تنوح في الخلفية على لحظات تموت بلا جنازة . السيارة العتيقة المتوقفة أمام الباب ليست مجرد ديكور؛ إنها إشارة إلى زمن آخر، برهان صامت على حتمية الزوال، تمر أمام عيني الراوي دون أن يفهم، حتى يذكّره الرجل الفقير بجملته القصيرة الموجعة: "لا شيء يبقى، لا شيء يدوم" .
في قلب هذا المشهد تقف كاترين، معلمة اللغة ذات العينين الممتلئتين بصمت ثقيل، تمسك سيجارتها بأصابع نحيلة مرتجفة كأنها لا تمسك التبغ بل تتشبث بما يتلاشى منها شيئاً فشيئاً. ينشأ بين الراوي وكاترين حوار نادر الكلمات، لكنه مشحون بما لا يقال؛ نظرات طويلة نحو الساعة، تردد غامض أمام التقاط صورة إلى جانب السيارة، و"لا شيء" تقوله جواباً عن سؤاله، لكنها "لا شيء" أثقل من كل شيء . تبقى كاترين لغزاً: امرأة تشعر بقصر الوقت من قبل أن يفهم الآخرون، وتتعامل مع صفير الساعة لا كصوت جميل، بل كإنذار مبكر يدل على ما سيأتي.
الرجل الفقير، حارس الباب الصامت، يشكل ضلعاً ثالثاً في مثلث الرموز. يقف كل صباح، يفتح الباب، يتلقى من الراوي ما يعينه ويصون شيئاً من كرامته، ثم يلفظ تلك العبارة القدرية ويمضي، تاركاً الكلمة تعيش طويلاً في داخل الراوي دون أن يفهمها حقاً إلا عند ضيق الزمن ومرض الجسد واختفاء المدرسة نفسها من الوجود . باختفاء المكان، ورحيل كاترين، وتلاشي الرجل، يدرك الراوي أنه لم يكن مجرد شاهد عابر، بل كان جزءاً من مشهد أكبر، كأن الزمن كله كان يعدّه لتلك اللحظة التي ينكسر فيها شيء في داخله بصمت.
الفصل الأول من الكتاب يركّز على بناء هذا العالم الخارجي والباطني معاً: صور متلاحقة من شتاء فانكوفر البارد، ساعة بخارية واقفة كحارس للزمن لا يمنعه من الرحيل بل يشهد عليه، ضحكات ووجوه تمضي ولا تدري أنها لن تعود، وسيجارة مشتعلة يظن صاحبها أنه يلتهم الوقت بينما الوقت هو الذي يلتهمه. يتعمق السرد في تفاصيل وقفات الاستراحة، ارتعاشة الأصابع، ثقل السكوت، وذاك الشعور الخفي بأن شيئاً غير مسمّى يوشك أن ينهار، دون أن يتجرأ أحد على الاعتراف به. هذا الفصل يضع القارئ في قلب السؤال الأول للرواية: هل نعيش اللحظات فعلاً، أم نمر فوقها كعابري سبيل لا ينتبهون إلى هشاشة ما بين أيديهم؟
في الفصل الثاني، تنقلب المعادلة حين يتسلل المرض إلى جسد الراوي بهدوء، كفكرة مظلمة في أعماق الوعي لا تطرق الباب، بل تستقر في الجسد كما تستقر الحقيقة حين نتجاهلها طويلاً . هنا يتحول الماضي كله إلى مرآة قاسية تعيد ترتيب المشاهد: لماذا كانت كاترين تحدق في الساعة بتلك النظرة الثقيلة كأنها ترى ما سيأتي؟ لماذا لم يتعجب الرجل الفقير من سيارة تبدو خارجة من زمن آخر؟ لماذا لم يسمع الراوي في صفير الساعة مرثية للحظاته التي تموت، بل اكتفى بأن يبتسم لصوتها الجميل؟ مع ضيق الزمن، يتغير معنى كل لقطة قديمة؛ كل تفصيل كان يبدو عابراً يتحول إلى علامة، إلى نص مشفّر لم يفكّ شفرته إلا بعد فوات الأوان.
يبلغ هذا الفصل ذروته الفلسفية حين يصل الراوي إلى خلاصته القاسية: نعم، لا شيء يبقى، كل شيء إلى زوال، لكن ليس كل شيء يختفي. ما يبقى حقاً هو الأثر، ذلك الخيط الخفي الذي يربط بين قلوب عبرت مكاناً واحداً لوقت قصير وخرجت منه متحوّلة من حيث لا تدري . الأثر هنا ليس بطولة عظيمة ولا إنجازاً خارقاً، بل دفء لحظة، صدق نظرة، رحمة عابرة مرّت بين يديه وهو يمازح الرجل الفقير أو يصغي إلى صمت كاترين. حين يواجه الراوي فكرة رحيله الشخصي، لا يبحث عن خلود مستحيل، بل عن هذا الأثر الصغير جداً الذي لا يُرى بالعين، لكنه ينجو من الفناء المادي، كنوع وحيد من المقاومة ضد العدم.
الرواية ككل تقدّم تأملاً سوداوياً عميقاً في الزمن، لكنها لا تستسلم لليأس تماماً. هي تضع القارئ أمام مفارقة موجعة: كل ما نعرفه سيختفي، الأشخاص والأماكن والأجساد والعادات، المدارس تقفل، الشوارع تتغير، المرض يأكل الجسد بلا هوادة، ومع ذلك يبقى هناك شيء لا تناله يد الفناء، شيء يظل عالقاً في الآخرين، في سهرة نسيان، في جملة يكررها شخص لم نعد نراه، في صورة تسقط فجأة من بين أوراقنا بعد سنوات فتجبرنا على محاكمة أنفسنا. هذا الأثر الإنساني، في اللغة الفلسفية للرواية، هو الرد الوحيد الممكن على حكم الزوال.
أسلوب الكتاب لغوي كثيف ووجداني، يميل إلى الجملة المتأملة التي تحمل أكثر مما تقول، ويوازن بين وصف الخارج واستبطان الداخل. لا يعتمد على الحبكة التقليدية أو المفاجآت الدرامية، بل على تراكم الإيحاءات وصعود الأسئلة: ماذا نفعل بوقت لا نصدق أنه سينتهي؟ كم من مرة مررنا بجوار "ساعة بخارية" في حياتنا الخاصة ولم نفهم ما كانت تحاول أن تقوله لنا؟ وكيف يمكن لمرض واحد، بكلمة واحدة، أن يعيد كتابة تاريخ كامل من الأوهام عن السيطرة والتمدد والخلود؟
"مرثية شارع الساعة" ليست مجرد حكاية عن رجل مريض يستعيد ماضيه، بل هي محاولة قاسية لكي يتعلم الإنسان النظر إلى حياته ككل من نقطة النهاية، لا من سذاجة البدايات. هي دعوة لأن نعيد فهم ذكرياتنا لا كحنين، بل كرسائل متأخرة من أزمنة لم نمنحها ما تستحقه من انتباه. ومع أن كل شيء في الرواية يؤكد أن لا شيء يبقى وأن كل شيء إلى زوال، إلا أن السطور الأخيرة تترك نافذة صغيرة مفتوحة على ما يمكن إنقاذه: الأثر الذي نزرعه في قلوب الآخرين، الحب الذي منحناه دون حساب، اللطف الذي عبر كظل خفيف، والوجود الخفي الذي يظل حاضراً في صور قديمة وكلمات منسية، حتى بعد أن تغلق المدارس، وتختفي الشوارع، ويغيب أصحابها واحداً تلو الآخر.
بهذا المعنى، يشكّل الكتاب دعوة هادئة وقاسية في آن واحد إلى أن نعيش وعينا بالزمن ونحن ما زلنا في منتصف الطريق، لا حين يضيق ويكاد ينقطع. يجعل القارئ يواجه، مع الراوي، تلك الحقيقة البسيطة الثقيلة: لا يمكننا أن نوقف الفناء، لكن يمكننا أن نترك أثراً. هذا الأثر، في عالم يتآكل كل يوم، هو شكلنا الوحيد من أشكال البقاء.